ملف، "قصة المسخ" الجزء الثاني
…..، كافكا
ملخص الجزء الأول من ( قصة المسخ) :
فرانتس كافكا، رائد الأدب التعبيري، يهودي تشيكي ألماني، ولد في براغ ، يشعر بالإستيلاب يسيطر عليه القلق والتشاؤم، درس الآدب الألماني، قبل أن ينتقل لدراسة القانون، حاز على دكتوراه في التشريع، تعرف بميلينا ييزينسكا صحفية تشيكية، بينهما مراسلات لقرابة العامين، ترجمت أعماله القصصية منها، مذكرات طبيب في الأرياف، أحبها وأحبته، ألف المسخ، المحاكمة، القلعة، وتائه في أمريكا، نشرت المحاكمة ١٩٢٥، لم تحقق إلا ثلاث ألاف نسخة، وأعيد نشرها مرة أخرى لتحقق مايقارب المليون نسخة، لم يتعرف العالم على كافكا إلا في خمسينات وستينات وسبعينات القرن المنصرم، بات صاحب حركة أدبية خاصة تتسم بالسوداوية وكذا أضحى من رواد الفكر العبثي، عانى من مرض رؤوي إلى أن مات في ١٩٢٤، بأحد مشافي النمسا
- من هنا تبدأ أحداث الجزء الثاني
أرسل "فرانتس كافكا" نسخة من مخطته لرواية
"المسخ" لمجلة أدبية، فأبدت المجلة إستعدادها للنشر شرط أن يتم
إختصارها، كتب "كافكا" إلى مدير تحريرها "روبرت موزيل" مبديا
إعتراضا شديدا على الأمر، … " لئن راودتك تلك الفكرة الغريبة، في أن تطلب مني
القيام فيها بتقطيعات للنص، فلأن تعاقب
الصفحات التي تؤلف المسخ، يبدو لي الأمر مملا"؛
في حينها كان قد أنهى قراءة "في القبو"،
ل"دوستويفسكي"، الكاتب الروسي الذي كان وعلى نحو نفسي الأقرب إليه، حيث
بحثهما المتشابه عن الخلاص، ومخافتهما المتقاربة والمختللة بالضياع والوحدة والسأم
والشك، التي ويبدو أن سبب كل تلك العلل نشأة وتربية متشابهة، إذ عانا الأديبين من
التربية في كنف والدي عنيفي الطباع، وعلى كل،
لم يتوانى "كافكا" في إبداء إعجابه الشخصي ب
"دوستويفسكي"، وقد وثق هذا في بعض رسائله إلى "ميلينا
ييزينسكا"، كذا حديث"رونالد جراي"، في السيرة التي ألفها عن
"كافكا" وذكره عن إحتفاظه بصورة شخصية
ل"دوستويفسكي" على مكتبه.
ولعل "كافكا" كما "دوستويفسكي"، قد
إمتثل هو الآخر لمقولة "هنري ترويا" عن الأخير، "لم ينعم بالإيمان
المستقر طوال حياته"، لكن "هنري ترويا" في مقطع آخر قال"أوجد
دوستويفسكي الإيمان لأقرب شخصيات رواياته
منه، الراهب أليوشا كارامازوف، في الإخوة كارامازوف"، ولربما
كان"كافكا" مستشعرا لهذا الإستقرار، يشتمه في قراءة "دوستويفسكي"،
يبحث عنه خلال عقل الأديب الروسي.
كان "دوستويفسكي" يمتلك عقل جدلي، بأفكار تقاوم
الأفكار، وقد رأى "كافكا"، في البطل "دون الإسم" برواية
"في القبو"، تقارب وجودي، حيث وفي الرواية، مثقف يكاد يتعفن في قبوه،
يخلق له "دوستويفسكي" تمايز فكري مستمد من الحالة التي هو عليها، بقوة
تخيلية تضرم في الواقع ضبابية الرماد، ليصح في العقل خيال ممنطق ويتلاشى من الوجود
واقع مضطرب، حالة نفسية هشة لا يثقل تواجدها إلا الخيال، فرمزية القبو تفسر إقصاء
الإنسان عن العالم بالقوة الطاغية، كذا رمزية المسخ لا تقصي وفقط الإنسان بل تلغي
عمله الماضي وفعله الحاضر وتصرفه المنتظر، تقتل أثره وإن أبقت عليه حي، عبر عن كل
ذلك "دوستويفسكي" خلال مؤلفاته، ثم نصر الإنسان على طغيانه، كما في
"مذلون مهانون" و"المساكين"، وأشهر سيف الضميرفي
"الجريمة والعقاب"، و"كافكا" عندما سلط أضواء كاشفة على ضراوة
العالم وإفساده، كذا فعلها بعبثية مطلقة وشاعرية مفرطة في"الإنمساخ"،
وإعترض متباينا بالضياع ولهث الحياة مباليا بالإنسان وقيمته
في"المحاكمة"، و"القلعة"، و"أمريكا"، أو كما أسماها
كافكا ، "الوقاد".
●
ثانيا، المسخ، ما المسخ في حياة ومؤلفات كافكا؟
*"الإنمساخ"، أو "التحول"؛
…..، جيريغور سامسا، وبعد أحلام مزعجة يستيقظ
وقد تحول لحشرة ضخمة، يرى غطائه يكاد ينزلق عن بطنه المرتفعة، يحاول النهوض ولا
يستطيع بسبب ثقل جسده الجديد وهشاشة أطرافه الكثيرة المتمايلة أمامه يمينا ويسارا،
يبدو بأنه لم يقيم أي دهشة، تحول غريب مباغت، ومع ذلك قلق أكثر من تأخره عن قطار
الخامسة، قلق أطمس ما قد يعتريه من فزع وريبة، فيباغته الصراع الحياتي ويسأل نفسه،
كيف سأذهب للعمل؟!!، ثم يبدأ إدراكه شئ فشئ الشعور بالمحنة، كيف ستراه العائلة؟!!،
بصوت غريب على مسمعه ومسامعهم يضطر أن يجيبهم، بصوت "حشرة "، فجأة يتحول
الأمر إلى دراما بائسة، مع تمريرهم قلقهم بسبب تأخره في الإجابة قبلا، وبوقع شديد
السلبية يطالبونه بالنهوض للعمل، جيريغور، شاب يكد ويشقى لأجل عائلته، ليس لأنهم
في حاجته وماله وعمله، لكن لأنهم أرادوا له الشقاء، هم في حال أفضل معه أو دونه،
ومثل لهم هذا التحول ظرف طارئ لابد أن يزول.
إستطاع "كافكا" التلاعب بالقارئ، ومع كل
مرة وصف فيها سطحية وعبثية التصرف
الإنساني بمواجهة وقائع شديدة الألم، كذلك إستطاع إحلال نوازع ومكنونات عميقة محل
تجمد وبرود الواقع، ولعل جيريغور سامسا، أقرب حالة ضمن الشخصيات التي طرحها قد
تعبر عن إرادة الكاتب نفسه في كشف مكنوناته الداخلية، وإرادته نحو التغيير من ذاته
داخليا وخارجيا، ليكشف للعامة من الناس أنه وجيريغور، الشخص نفسه سواء تقبله
العالم على هيئته الطبيعية أو ذهب نحو التغير الذي لم يحدده"كافكا" سوى
في الهيئة، حشرة نكرة مكروهة، ملعونة، يذكر أن الناشر طلب من رسام ما، رسم الحشرة
التي وصفها "كافكا" في روايته، لكن كافكا رفض ذلك، وليس الأمر لتدعيم
خيالات المتلقيين ولكن لأن هذا التحول في ذاته مبهم ويجب أن يظل كذلك.
أكثر المشاهد الضاغطة على نفسية القارئ، مشهد أب يعاقب
إبنه، بلا رحمة أو إبداء لعاطفة الرفق
الأبوية أو حتى التوقف وفهم الأسباب، ولج والد جيريغور إلى غرفة نوم إبنه، وعلى
أثر صرخة فزع من الأم الملقاة على الأرض أمام جيريغور فاقدة للوعي، على الفور هم
الوالد بقذفه التفاح، وسط إستسلام من الحشرة، التي ويبدو لم تنفعل بفطرة حيوانية،
أو تندفع نحو تسلق الجدران لبث الخوف في الوالد وجعله يتراجع، بل إستسلام طبيعي من
إنسان تعود التعامل بهذه الطريقة من والده، لم يحاول الأب الفهم، ولم يحاول الإبن
التفسير، ومع إحساس بالذنب تقبل جيريغور العقاب كون الأم لم تحتمل رؤية إبنها
بهيئة مخيفة، المشهد كله صدمة، أراد "كافكا" تصديرها لعقله هو، محاولة
لفهم موقف والده من تربيته أو حتى محاولة لتجاوز تلك المحنة، التي زعزعة من كيانه
وأثرت في نفسيته على مدى حياته.
كان ل"كافكا" أخين في صغره، ماتا صغيرين وتركوه
وحيدا في العالم، ننتبه في "الإنمساخ" إلى موقف أختين من أخ طالما كان راعيهم ومعيلهم، أرادا عزلة
وإبعاده، قالت إحداهن"فلنبعد الحشرة في تلك الغرفة"، رفضن وجوده، أو
هكذا وقع الأمر في نفسية "كافكا"، من أخين رفضا تواجده، وكأن الموت كان
الحياة التي حسدهم عليها، وأن حياته هي الإنتهاء، الإنتهاء في الجحيم.
وضع "كافكا" إشارات واضحة جدا، لإستيلاب
الإنسان من قبل عصره، الحياة التي تأخذ من الإنسان حريته وكينونته وجوهره، وتتركه
بلا معنى أو في أغرب المعانى تقبلا، كمسخ.
مع النهاية بدا "كافكا" منطقيا جدا، بسيط طبقا
للتلقائية التي صارت بها الأمور، ففي مشهد
النهاية، تصورا شديد الألم، مع لفظ جيريجور أنفاسه الأخيرة كانت الوحدة تعتريه،
مؤمن بتلك النهاية، وهذا المآل، ماتت الحشرة، ثم دخلت الخادمة لتجد جيريغور ممددا
جثة هامدة على ظهره، وفي بعض مواضع من جسده يكسوها العفن على أثر جروحة من فعلة
أبيه، فتزيحة الخادمة بعيدا للخارج بالمكنسة، وتزف الخبر للعائلة، فتعتريهم الراحة
والسكينة، وهكذا كان يشعر "كافكا"، وأنه حين موته سوف يزيحه العالم، ثم
سيتابع هذا العالم مسيره غير مباليا به أو بغيره.
*"المحاكمة"، أو"القضية"
…..، سلطة تتفنن في إرهاق الإنسان، تسحقه
ببطئ، تحيله إلى جحيمه الذاتي، فإما يعيش ضمن زمرة المنتهكين، أو يكبل بما يؤمن به
حتى يختنق ويطلب الهلاك، جوزيف ك، متهم بما لا يعرفه، يصحو ذات يوم ليجد رجلين فوق
رأسه، يجريان معه وقائع تحقيق، ويطلبان منه الإمتثال للمحاكمة، أي محاكمة،بأي
تهمة؟، لا يعرف، يصبح وفجأة سجين داخل حياته، مباشرة يمتثل للأمر، رغبة منه في
إثبات برائته، يخبره المحققين بإمتيازات للتحقيق، إشفاق من المحكمة على أمره،
سيجري التحقيق معه في أي وقت وفي أي مكان، دون التأثير على ساعات عمله، فمجرد
إنتهاء نوبة عمله هو ممتثل للتحقيق كل يوم وكل ساعة، وعليه أن يحضر جلسة إتهامه في
زمن محدد.
…..، تبدأ المعضلة مع عدم علمه بمكان إنعقاد
المحاكمة، يجول الشوارع سائلا ومنتبها لأي إشارة أو أي تفصيل، يصل أخيرا فإذا بالمحكمة بمكان ناء وفقير، في إشارة
إلى أن إهتمام تطبيق القانون لا يثقل إلا كاهل الفقراء، "كافكا " صنف
الناس إلى صنفين، صنف يصيغ القانون بذكاء و يجعل من الصنف الآخر ممتثل له
ولأحكامه بتلقائية المغفلين الأغبياء،
السيد جوزيف ك، عامل المصرف ذا الدخل الكبير، يصل للمحكمة متأخرا عن الموعد، فتلغي
المحكمة إمتيازات التحقيق، فيصير معرض للإستجواب في أي وقت وأي مكان، ثم تعين عليه
رقابة لاصقة، رجلين لا يفارقونه، يتهم جوزيف ك، المحكمة بالتلفيق، وكرد فعل من قبل
المحكمة التي لا تساوم أنزلت العقاب بالمرافقين، في المصرف ينتبه لصوت صراخ مكتوم
صادر من أحد المكاتب في الركن، يندفع ويفتح الباب فإذا بجلاد يجلد محققيه، الرجلين
على الفور يعتذران عن إزعاجه، يسأل جوزيف
ك، لما كل هذا؟، يجيبه أحدهم، أنت إتهمت المحكمة بتلفيق التهمة لك، فإتهمتنا
المحكمة بتلقي رشوة من أجل هذا، ينظر جوزيف للجلاد مع شعوره بالذنب ويضع يده في
جيب قميصه، يرد عليه الجلاد أتريد رشوتي ليتم عقابي، "كافكا"، يشير إلى
إحساس الظلم الذي طال جوزيف وإكتراسه بإثبات البراءة وعليه أن يتعامل مع الأمر كما
تريد السلطة فأي تصرف آخر سيكون ردة فعلة غير متوقعة، الإنسان يتوه في هذا العالم
ويتعامل بردة فعل متوجثة وينظر خلالها بنظرات ريبة وعليه أن يقرر ما يصدقه ومالا
يستطيع تصديقه.
عانى "كافكا" أحاسيس التوجس، كان يتربص بما
يقوله ويفعله، حريص على عدم إيذاء أحد، وصف إحساسه هذا بالعذاب الذي رافقه طوال
حياته ، ووصفه الآخرون بالحكيم والمقدس ، جوزيف ك، اراد الإنتهاء من هذه الإتهام ليعود لحياته من جديد،
يمتثل لرأي عمه في تعيين محامي محنك بتلك القضايا، يذهب معه لمكتب المحاماه فيجد
مسن تقريبا يفترش سريره في أحد أركان المكتب، بمجرد دخولهما يقول له المحام، لقد
اتهمتك المحكمة وجلستك قريبة، يشعر على الفور جوزيف أن تلك منظومة وأن غموض تهمته
يذهب نحو إختيار من تلك المنظومة ليكون الدور كان قد أصابه، بعد فترة قصيرة يؤكد
في نفسه إنطباعه الأول فيقرر الدفاع عن نفسه، يقف في وسط المحكمة وإذا به يلقى عريضته
ويطلب البراءة لنفسه، يتحصل عليها أخيرا لكنها ليست نهائية.
يشير "كافكا" إلى الدائرة التي يقع فيها
الإنسان، دائرة القانون والسلطة التي ترى في كل الضعفاء مذنبين، حتى لو أثبتت
براءتهم، هم مدانون، وعلى جوزيف الإمتثال في أي وقت للتحقيق في نفس التهمة غير
المعلومة والتي حسب ما شرحة "كافكا" ضمنيا هي تهمة الإنسان مجرد تواجده
حي هو التهمة، كون جوزيف إنسان عليه أن يتحصل على براءة أولى وثانية وثالثة ورابعة
وإلى مالا نهاية، خلص "كافكا" في حياته إلى أن الراحة في الموت وأن عليه مسايرة الحياة حتى
بلوغه راحته النهائية وأن المسرات المؤقته في حياته ماهي إلا براءات مؤقتة.
*"القلعة"، أو "لقصر"؛
…..، يصل،السيد ك، على الجسر المؤدي للقرية
أعلى الجبل، الظلام يكسو الأجواء عدا نجمة تضيئ الجسر، يصل الفندق ويطلب مكالمة
للقلعة، يجيبه أحدهم لما، فيقول أنا مساح الأراضي الذي طلبته القلعه، كذبة من
العدم لا يعززها سوى رغبة داخلية لدى
السيد ك، رغبته في الإنتماء لشئ، وجده في القلعة لأسباب لم يبدها أو
يعللها، ترد القلعة بأنها لم تطلب مساح أراضي، تنصب واقعة تحقيق قبل المسؤولين في
الفندق، وقبل أن يتم إتهامه وتغريمه على
كذبته، يصل إتصال آخر من القلعة، إذا كان مساح الأراضي متوفر نحن في حاجة له، يقيم
السيد ك بالفندق منتظرا التعليمات، وخلال فترة تعجبه سيدة تعمل بالفندق، يلاطفها
ويجاملها، ثم يعرف أنها عشيقة السيد"كلالم" نائب الكونت وذراعة
الفاعلة، الكونت الحاكم على القلعة
والقرية، تعين القلعة عليه رقابة لاصقة، ثم تتواصل معه عن طريق ساعي بريد معين
بهذا الشأن وفقط، تبادل الرسائل بالمهام الموكلة له قبل القلعة، وأحيانا في الأمور
الملحة يتم التواصل هاتفيا من هاتف الفندق، يتعلق بسيدة الفندق ويحبها، يقيما
علاقة لأكثر من مرة، وفي كل مرة لا
تتركهما أعين الرقابة، رجلين في أحد أركان الغرفة، في زاوية ضيقة، متكئان أو
واقفان، أو جالسان فوق بعضهما.
في مرة من المرات يزوره السيد "كلالم" فجأة،
ينظر ك، من ثقب في الباب فإذا رجل بهيئة تشبه ما وصفتها له العشيقة، إنه
"كلالم"، لم يحرك الرقيبين ساكنا، ولم تنتفض العشيقة من فوق السرير بعد
علاقتهما الحميمية، بلادة وعدم إكتراث يسودان، يدخل الرجل، بهيئته العظيمة ويمرر
له بعض المهام وينسحب، بطريقة شعرية وصف "كافكا" أطوار علاقة السيد ك
بالعشيقة، لم يصرحا لبعضيهما بالحب والعشق قولا، بل فعلا الأمر خلال علاقتهما،
بالصمت ووصف وتشبيهات"كافكا" الجمالية التي تعدت حدود العلاقة الغريزية
الشهوانية، أمل "كافكا" أن يجتمع بحبه وأن يدوم هذا الحب بمشاهد تخيلها
هو ووصفها في كتاباته، الكاتب الحالم طالما إعترضت أمنياته تصريفات القدر والواقع،
إستحال حبه وإستحالت آماله.
…..، إستمر السيد ك، مساح للأراض بالقلعة ولم
تطئها قدماه مرة واحدة، وكانت المهام الموكلة له بسيطة واحيانا تافهة، إستمر خاضع
للسلطة التي وإن ظهر على عكس ما إدعى ستقوم بمعاقبته، ولا عاقبة سوى الموت، عاش
محكوم من قبل سلطة تتعامل معه بخيط غير مرئي كما في مسرح العرائس وإمتثل لذلك حتى
يحقق الإنتماء الذي سعى له من البداية بكذبته البسيطة.
طالما فقد "كافكا" حياة الإنتماء، يغريه ما
يحدث وتثقله كل واقعة بالخوف والرهبة والشك والسؤال، السؤال الداخلى والتفكير في
سفاسف الأمور، أول ما شعر بشعور مشابه يحفه إحساس الإنتماء، وشعر بهذا أكثرعندما تعلق قلبه بملينا
ييزينسكا، الصحفية التشيكية.
*"التائه"، أو "أميركا"، أو
"الوقاد"؛
الفصل الأول منها نشر كقصة قصيرة، وذلك قبل أن يضمها
"كافكا" لروايته التي أسماها في البداية"التائه"، أو
"تائه في أميركا" لتشكل فصل روايته الأول، أخبر صديقه"ماكس برود" أن الرواية لم
تنتهي، وأن الفصل الذي يتحدث عن مسرح أوكلاهوما سيكون الأخير، جمع برود كل
المخطوطات ونشرها تحت إسم "أميركا"، ثم أهدى جامعة أوكسفورد المخطوطات.
…..، كارل روسمان ١٦ عام مهاجر أوربي
لأميركا، وعلى أثر فضيحة غادر لأرض الأحلام بعد إغوائه من قبل خادمة، على المركب يصبح
صديقا لوقاد، يتوسط له عند قبطان السفينة، يلتقي لأول مرة بالسيناتور جيكوب في
قمرة القبطان، السيناتور الذي يخبره لاحقا بأنه عمه، يأخذ كارل ليقيم معه، تمر
الأمور بسلام ولفترة حتى يزور العم صديق له، يبدئا العم والصديق الكيد بكارل،
يجوعانه ويأكلان أشهى ما طاب أمامه، ينهبانه ويجردانه من ممتلكاته، تحول مخيف
بالنسبة لشخص يرتبط بكارل برابط الدم والقرابة، يتعرف على مدير فندق أوكسيدنتال،
يعرض عليه العمل عتالا، يزوره صديق يدعى روبنسون سكير ومعدم ويطالبه بالمال، يتوجس
كارل ويرتكب خطأ يفقده عمله، يسمح لروبنسون المبيت بالفندق، يطرد ويأخذه صديقه
لشخص آخر يدعى ديلامارش، ديلامارش يقيم عند سيدة ثرية، تريد السيدة أن يكون كارل
خادمها، يرفض ويحاول الهرب، لكن روبنسون وديلامارش يمنعانه ويهينانه ويضربانه،
يبقى لفترة أسيرا في شقة السيدة كخادم، يرى إعلان للعمل لدى مسرح أوكلاهوما، يوظف
كعامل تقني، ويبدو أن تحول في السرد كان ليكون سعيدا ومفرحا لكارل، لكن عند هذا
الحد، توقف "كافكا" عن الكتابة.
للسلطة التي تزعن الإنسان لسطوتها، من العدم من الخواء
جردت في كتابات "كافكا" لتكن باردة رخيمة، قوتها من ضعف الضعيف، وسكونه
وإرتكانه لها، يوقظ قلم "كافكا " الإنسان على مهلكاته، فإما إنتبه
وتعامل معها أو جرف مع ضياعها، ما أكثر من يتعامل وفق هوى التسلط وما أقل من تمرد،
وتمرد "كافكا"، لايعني بالضرورة ثورة أو غضبه، بل كان ولازال معاناة
تنتظر قومة الإنسان، وإلا صار بحياته المسخ الذي حاول "كافكا" الهروب
منه، هربا من نفسه ولنفسه.
●
ثالثا رسائله لميلينا، من تكون ميلينا ييزينسكا
●
رابعا تأثيركافكا في حركة الأدب، وما قيل عنه