الثقافة ، بين شتات المجايلة - للكاتب : أ/ رامي حلبي - مجلة مجد مصر

احدث المواضيع

الثلاثاء، يناير 26، 2021

الثقافة ، بين شتات المجايلة - للكاتب : أ/ رامي حلبي


المجايلة وهي مفهوم عن الجيل، وتختلف الصيغ مابين عدة مفاهيم تؤدي لنفس المعنى، ك… تجييل أو تحقيب، ويعبر المفهوم عن إلتقاء مجموعة من الناس تجمعهم قواسم إجتماعية  مشابهة وتأثيرات سياسية  موحدة وروابط ثقافية بسقف معرفي  مشترك، والجيل هو ثلث القرن تقريبا حوالي ٣٣ عام، في الإصطلاح العربي الجيل هو كل صنف من الناس، ك…"صنف الترك، صنف العجم، صنف العرب، صنف الروم"، وغير ذلك تصنيف حسب عاملي الجنس والزمن من القديم للحديث، فيقال "جيل اليونان ثم جيل الرومان، أو جيل الحداثة ثم جيل ما بعد الحداثة"، وهناك التقسيم الفئوي حسب العمر أو النوع، ك…"كجيل الشباب وجيل العجائز، أو جيل الرجال وجيل النساء "، وللحروب والصراعات البشرية تأثيرها بالسلب أو الإيجاب في تقسيمات تجييلية، فمثلا أطلقت عبارة "الجيل الضائع" على جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى، أو الحرب العظمى التي نشبت في أوربا في٢٨ يوليو ١٩١٤ وإنتهت في١١نوفمبر ١٩١٨، كذلك جيل النكسة الذي عاصر حرب ١٩٦٧ بالشرق الأوسط ، وجيل ثورة يونيو ١٩٥٢، وجيل أكتوبر ١٩٧٣، وجيل الربيع العربي وهو جيل مابعد ثورات الربيع العربي.

 

والأثر الثقافي  ومنذ عهود طاعنة القدم  حيث كان ليصعب الربط  مابين ماهو خيالي وما هو حقيقي، رغم ذلك ولولا هذا الأثر الذي تداخلت خلاله الأساطيرالفلسفية بالوقائع لما نما إلى تصورتنا مثالا حياة راما أو مردخ أو أوزويريس، أو لما أدركنا حجم تأثير كل حقبة في الحقيقة التي تلتها، فالحضارة الرومانية شبت على أنقاض الحضارة اليونانية، وأثرت علوم الطب في الحضارات الفروعونية والصينية تطور أساليب المداواة لدى اليونانيين.

 

وهنالك أجيال متعاقبة لا يمكن فصل القيمة الثقافية بينهم كالأجيال التي عاشت مابين القرنين التاسع عشر والعشرين، إذ يربطهم كم هائل من الأحداث، فأول ماتحقق من الرفاه الإجتماعي الثقافي في الأقاليم الإسكندنافية، وهي مشاريع حضارية ثقافية بإمتياز، فألمانيا مثالا في العام ١٩٣٠ صنفت كأفضل نظام تعليمي أساسي وجامعي، ثم التبشير بالثورة الصناعية الكبرى ١٩٥٨ قبل الأمريكي دانيال ليرنر، ثم ظهور مشاريع فكرية تخدم المنحى الإقتصادي الصناعي كالرأس مالية والإشتراكية، وظهور معسكرات فكرية مثل النازية والشيوعية والفاشية والإمبريالية، وهنالك التأثيرات الإجتماعية الثقافية التي أنتجتها المفاهيم الطبقية مثل البرجوازية والبروليتاريا و الأوليغاركية، وتبلور الأفكار الفلسفية حول مواضيع إهتمام خاصة فظهرت المدارس المتفلسفة مثل النفعييون، والطبعانيون ومدارس فرانكفورت وغيرها.

 

ورغم ذلك كله من تاريخ مشترك وخط زمني موصول بالأحداث متشابه المعالم يسير وفق معدل ذيادة ونمو بطيء وروتيني، غيرت التكنولوجيا هذا تماما،و سمح إختلاف الرؤى بين جيلين متعاقبين إلى وجود هوة وفجوة صنعت أوضاع التأزم وإختلال الطرق المحايدة لصياغة تقارب فكري وثقافي، وهي أدعى أسباب المجادلات الإجتماعية والمعرفية القائمة، والتي كرست لها وبشكل فائق السرعة  وصول المعلومة الجديدة بالطرق السريعة التي تمس كل إشكالية وتحيط بكل أسبابها، يقول "كانط"، الرأي هو إعتقاد صدق الفضيلة مع الشعور بالأسباب الموضوعية، وفي زمن كالحالي ومع التسارع العولمي المعرفي ومحاولات سد ثغرات الفكر العلماني المهيمن أضحت المقولة الكانطية نوعا  ما كلاسيكية من التراث الفلسفي القديم .

 

ظهر مصطلح الأيدلوجية مطلع القرن العشرين كأحد رواسب الثورة الصناعية التي قلبت الكثير من المفاهيم، ثم رسخت السيادة لمن يملك الآلة المنتجة في توجه صارخ نحو المادية والنفعية، من ما يشير إلى أن ظواهر التغير ليست وليدة الآن بل هي نمط إنساني ولكن الفارق هو سرعة التغير والتبدل بين وضع اجتماعي وأخر وبالتالي بين وضع ثقافي وآخر في فترات زمنية قصيرة جدا فقد نرى فوارق هائلة بين أفكار الجيل الواحد، بينما أصبح لا يمكن عدم ملاحظة الإختلافات التي تطرأ بين جيليين مختلفين .

 

لكن للتكنولوجيا فوائدها أيضا، فمع إجتياح وباء كرونا العالم بأسره كان التحدي الأكبر أمام الثقافة هو إستمرار التدفق والإنتاج، وقد سمحت وسائل النشر الحديثة للإنتاج الثقافي بالإستمرارية وبفاعلية أكبر من السابق، مؤثرة بشكل كبير في المجتمع وإهتماماته المعرفية، حيث أفردت إهتمام خاص بالجانب الثقافي الرقمي من قبل منظمات وحكومات العالم، منها المؤشرات التي إعتمدتها منظمة الأمم المتحدة للإستدامة والتنمية الثقافية حتى عام ٢٠٣٥ منها مؤشر رقم "12" المعني بتمكين الشعوب من الحصول على المنتجات الثقافية، والمؤشر رقم"16"لإرساء التنمية الشاملة المستدامة عبر التاريخ.

 

ومن تجليات هذا المسعى ومن قبيل التفاعل الإيجابي لرفض أن تكون المعلومة والمعرفة حكرا على الدول المتقدمة، وحيث أضحى التبادل المعرفي  الرقمي بأهمية بالغة وفي ظل وباء مختلف في إنتشاره وتداعياتة الإجتماعية والإقتصادية المؤثرة على الجانب الثقافي ويختلف عن أوبئة إجتاحت التاريخ البشري لأكثر من ٣٠٠عام، أقيمت فاعليات ثقافية متعددة عبر التواصل الرقمي الإفتراضي  منها، مؤتمر وزراء الثقافة العرب في ١١ مايو الماضي، ومؤتمر الثقافة والعلوم لمنظمة التعاون الإسلامي في ١٧ يونيو الماضي.

 

تتراكم التباينات خلال العقود المتعاقبة ، وتظهر الإختلافات بشكل أوضح من ذي قبل، من ما يفضي إلى إختلاف المواقع والمواقف، منها ما هو إيجابي في الصالح حيث التعايش والإستقرار ومنها ما هو فعال يضمن التوازن الثقافي من  إستقراء الماضي التراثي بموضوعية الحاجة والخبرة والروحانية والتطلع إلى الحداثة بمصداقية الإفادة والإستفادة والنفع الإنساني.

__________

كتبها : أ/ رامي الحلبي ( باحث في التاريخ) 

 


___________


شارك المقالة